|
|
|
لغوايات الشعر طفولتها بقلم الحميدي الثقفي
يا إبراهيم السمحان : هل أنت الآن بمحاذاتي ؟ وهل تسمع صوتي .. يا إبراهيم ؟! ما أقسى أن تتفرد وحدك حتى بالإحساس الأليم .. وأنت وحيد تقتصر بصحو الأوجاع .. كامن المعاناة في جسد قصيدتك ! آه .. كم هو ضيق هذا العمر الواسع .. يا صديقي ! هل تسمع صوتي يا إبراهيم ؟! هل نتحاذى ..الآن ؟ .. ربما ويتكسر صوتي متشظياً .. بما .. بما ..! بقصيدتك الفاتنة .. وبإمعان حاد .. في بعض مفاتنها سأتوهم عبثاً مرافقتك .. في غواياتها حتى أقاصيها السديمة .. استوقف الما .. وأفتش فيه عن طاقه ......... افتح بهـا درفتيـن أحلام وأغرقها من هنا .. من هذا البيت .. هذه القصيدة .. الشهية .. كانت ( أولى قراءاتي ) لقصائدك المكتوبة .. ربما ( سمعنا ) غناءك من قبل ذات أزمنة قائظة .. وبعيدة .. ولكن من هنا ) التقت قناتي الإحساس ( الانهريتين ) .. السمع والقراءة .. ثم تجاورتا بعد ذلك ! واتسعت تحــــولات الأنهار وتفجرت .. ولم تعد المياه إلى مجاريها .. بل لم يعد هذا الاصطلاح ( الشائع ) مرغوبا فيه .. فالـ( عودة ) كلمة بغيضة .. وهذا إحساس شخصي .. وبعيداً عن المدح والثناء .. ( سأجتهد ) في استحضار بعض المقاطع والأبيات من بعض قصائدك القديمة ، والجديدة والتي كنت أصفها وصحبي بأنها ( حلوة ) ثم نصمت ! كنا ( الشاعر المرحوم / عبدالمحسن الهيضل – والصديق رده السفياني .. والشاعر الصديق محمد الشيباني ) نجتمع .. في أوقات متفرقة .. وأماكن مختلفة .. من ضواحي الطائف .. لكن .. المذاق في مفهومنا ( مفهومي ) – ليس أكثر من) حلوة مرة ) وان كان هناك فائض فهو فائض ! ( هون عليك المسالة مسألة وقت ... يطول يقصر كله لمصلحتنا ) هذا أنت تستل بقلم ( .... ) وش ذنب إصبعك ؟!. استوقف ألما .. وافتش فيه عن طاقة ......... افتح بها درفتين أحلام , واغرقها يا.. يدخل بستاتين ورداتي ينسقها ..! كنت اشعر حيال هذه القصائد – المقاطع – الابيات .. بشعور آسر مالبث ذلك الشعور أن لازم – اسمك – وشعرك .. هذا بوح شخصي .. اتضح لي بعد ذلك .. ان ( الفرادة ) في أي شئ ماهي مصدر .. ذلك الاحساس الآسر والسمحان – صوت شعري ذو فرادة صاخبة .. ساحدثكم عنها فيما بعد .. بتصور ماتكشف لي منها فاعيذوني جنابة المديح .. ولاتستعجلون . السمحان ابراهيم احد اهم الاصوات الشعرية التي حملت القصيدة الشعبية الحديثة بوعي جاد .. وادراك فريد بها , اكاد اقول انه اشد الاصوات التزاماً . بطرح همومه , وقضاياه , ومواقفه عبر خطاب شعري ساطع وبالرغم من ذلك فهو صاحب تجربة له ماله , وعليه ماعليه , وماساكتبه عن الشاعر السمحان لايمثل اكثر من رايي – شخصياً – ليس الا . لماذا ابراهيم السمحان ؟ لتاجيج تساؤلاً كهذا اعلن تحزبي المشروع واضطهدكم ( بانتقائيتي ) المستبدة . فالسمحان ابراهيم شاعر ( متفرد ) والفرادة مفردة آسرة وفاتنة في كل شئ . فكيف بها في الشعر ؟ وقصيدة السمحان تربطني بها وشائج كثيرة منذ غوايات الشعر الأولى التي اختمرت في اتون الروح ,وتكوينات الجسد الحسية على مدى عقدين من الزمان . وقبل أن اترك لطفولة غواياتي حرية التداعي عبر مسارب الوجدان ,وبرية الجسد المطعون بخنجر الشعر حتى النصل ، حتى المقبض ، وقبل ان اذهب في الغواية حتى اقاصي السديم من خلال شاعرية الشخص أستميحكم عذراً ، ووقتاً مختزلاً يتسنى لنا الدخول من خلال شخصية الشاعر إلى عوالم تجربته المتفردة , فهناك سمات بارزة ، وجلية في شخصية شاعرنا ، يجدر بنا الوقوف عندها لمعرفة بعض تلك السمات التي اسهمت حتماً في تكوين الشاعر السمحان تكويناً فريداً ، ذا اهمية كبيرة في تجربة القصيدة الشعبية الحديثة أو تحولات الشعر العامي والتي حدثت خلال العقدين الاخيرين من القرن المنصرم . ولنضع خطوطاً عامة لتحديد أهم بعض الصفات التي تكشف لنا عن شخصية شاعرنا كصوت شعري مبدع وصوت مثقف يعي قضاياه وهمومه الاجتماعية والإنسانية وعياً صارخاً , متاتياً من حس ذاتي معتدا بتوجساته , وقناعاته ، ورؤاه الخاصة حيال وجوده وكيانه الانساني في هذه الحياة . فهو شاعر ناقم ، وساخط ، ومتوتر, وقلق ولكن مالغريب في الامر؟! فتلك صفات طبيعية لاتخلو منها صفات الفنان ، الخلاق ، المسكون بحلم التحولات ، والارتحالات من ارتهانات الواقع الميت على آفاق الحلم النابضة بالممكن ، والاحتمالات الحية المشتهاة .. وقصيدة ( جوع البراويز ) وهي من آخر نتاجه المنشور صحافياً في مااظن تحمل ملخصاً بالغ التكثيف لتجربته الشعرية , المنجزة فهي قصيدة زاخرة بالنقمة الساخطة , والقلق , والخطاب الموتور الصارخ في خرائب البشرية المنذورة للموت والفناء : أي كف شكـلتـك وبروزتك وعلقتك ......... كنت فيض الوان كانت موجة الممكن شذاك ضيعتك العين .. في زحمة الوحدة لقتـك ......... تشتكــي وحـدة زحتام ٍ .. تنكتر به خطاك اذكرك .. تفـرد جناحيـن والكون اورقتك ......... غامـس ريشك بحبر فقـط يشبتته صفاك توقـف اللحظة وتنفـض لحنتك ومـوسقتك ......... فـي ثوانيهـا وتنفـض على الدنيا وفاك ( كنك الحلم ) …………… ! والقصيدة ( جوع البرواويز ) قصيدة ذات ملامح كثيفة ، ومتداخلة ، وصاخبة ، وخصبة الرؤى ، والأحداث ، والمضامين ، وكل انطباع ، او قناعة ، او تعبير فعلي ، او انفعالي ، او شعوري تثيره فيك هذه القصيدة ، وكل ماقدر لك معرفته وتجلت لك ملامحه عن الشاعر وعن تجربته ، ورؤاه ، ومواقفه ، وتوجهاته ، واحلامه ، وآلامه من خلال هذه القصيدة ( جوع البراويز ) هو اختزال مكثف لموقف الشاعر وقضيته , ومبداه الابدي .. وإيمانه بقدرة الإنسان على فعل الحياة والتفاعلات معها . فالآخر لدى السمحان يحقق وجوده بقدر امكانية مايصدر عنه من فعالية حركية ، او ايمانه بقدرته على التحرك كحد ادنى لاستمرارية الحياة ، والخروج من خرائب العدم الباهتة! ( الآخر ) دائم الحضور في تجربة السمحان بل تاكد تجربته الشعرية ان ( تنجدل ) في خيط ممتد مجدولاً من ( الانا – الانت) ومن ( الذات – الآخر ) في جدلية فكرية , فلسفية , وتماهيات فنية , ونفسية شديدة التداخل والتعقيد ! فمنذ ان اطلق ذلك البيت القديم الطامح لـ( ترويض ) الآخر : هون عليك المسألة مسألة وقت يطول يقصر كله لمصلحتنا .1 والسمحان يفتح آفاق الذات الحية ، النابضة ببكارة الاحلام الآتية ، والممكنة لدخول كتلة الآخر الجامدة ، والمترمدة في اتون الذات لتنصهر في تخوم الذات المتحفظة باتجاه الزمن الآتي . ولكن مالغريب في الامر ؟ّ فالتحريض على الحياة ، وابتزاز المستقبل الآتي إلى أبعد واقصى مايمكن ، ونفخ روح القدرة الفاعلة في الجسد الهامد العاجز ، او المكافا على نفاياته المتعفنة ، المتكدسة ، وكذلك تقويض بني الاشياء الجاثمة على صنمية الابدية الواهية . وتحريك ونفض القناعات والمفاهيم المترسبة في تجاويف المجتمع ، الآسنة في مستنقعات العقول والمشاعر الهشة ، وتفجير الكامن من القوى البشرية في عناصر الشرائح الاجتماعية - كل ذلك – في صميم التركيبة الطبيعية والسمات الفطرية السليمة - في كينونة كل فنان خلاّق مبدع .. وخارق للحجب المعتمة ! - فاين هي ( فرادة السمحان )الإجتماعية كصوت مثقف .؟! وكشاعر مبدع نستطيع أن نقبض على مايجعلنا نشير الى اسهاماته ( الذاتية ) في خلق أفق فني و ثقافي وأجتماعي طموح متوقد ؟! وللإجابة على هذا التساؤل الشاسع الحاد يجب ان نقترب اكثر من الكون ( الشعري والفكري ) الذي تنتمي إليه قصيدة السمحان ، وبالتالي ملامح الشاعر الاجتماعية ، والفكرية المكونة ( لذاته ) الباهرة . وقبل ان نحاول المقاربة ساترك الباب موارباً للدخول الى عوالمية النسيج والمجدولة بخيوط ( التحاورية ) الدائمة بكل ماتعمل كلمة ( التحاور والتداخل بين الذات والآخر عبر بعض الابيات الشعرية المنسوجة بوعي عميق وادراك ( شفاف ) لرقي المجتمع وتقدمه نحو الحياة والحرية والنمو الخصب الآتي : ( هون عليك ) المسألة مسألة وقت .. يطول يقصر كله ( لمصلحتنا) *** خلي شجر مسراك ينفض ظلاله على الطريق اللي من الشمس عرقان *** ( .... ) ( يدخل بساتين ورداتي ينسقها )! صدر البيت يحمل ( للآخر ) مصافحة لطيفة نستطيع الإحساس بدفئها من خلال لطف الوعيث في ( عجز البيت ) تضمنه روح المشاركة في تنسيق الزهور وياللدعوة الحميمة الناضجة بالالفة . *** كنـك الحلـم امسكت بك عيوني واطلقتـك ......... من بديت بروعة الطير .. واخجلت الشباك رغبةِ غرقت بعزتك بالضوء اغرقتـك ......... غبت حتى غيبتك قربت تلغي سواك لين اكل ( جوع البراويز ) تمر موافقتك ......... من وفيت بموعدك نفسه الموعد محاك ! وسالخص قليلاً من السمات البارزة التي افضت بي اليها قراءتي لبعض نصوص الشاعر واطرحها تجديدا لما سبق .. -علاقة الشاعر بالاخر : هي علاقة متجذرة , نواة حية في الخطاب الشعري لدى السمحان, حتى انها تكاد تكون الرابط الاساسي في تجربته الشعرية فـ( الاخر ) هو العنصر الذي يتقاسم مع ( الانا ) كون الـ( قصيدة ) وفضاءاتها بمعنى ان ( الاخر والانا ) استحالا من قطبين يحددان القصيدة - معنى ومغنى - ويمثلان عنصري ( المن – الى ) كما هو معروف في الشعر العامي القديم الى ( عنصرين ) يتشركان في نسج القصيدة ويجدلانها – بينهما . في فضاء مفتوح على هيئة ( واقع – الانا – الآخر – مسافة – القصيدة - حلم – .. ) وبذلك نجد ان السمحان .. من اهم , واقدم الشعراء الشعبيين , المحدثين الذين اسهموا في تغيير صيغة الخطاب الشعري بين ( الأنا ) و ( الآخر ) في القصيدة العامية , وهي صيغة كانت تقوم على هيئة ( ارسال , واستقبال ) ( واقع- القصيدة – الانا - واقع آخر ) وماعلى الآخر سوى الاستماع والاستفادة من حكم الأنا / الشاعرة التي تملأ القصيدة بسحرها والتي يتوهم ( الآخر ) بانها تحمله ( تسوقه ) الى ( واقع آخر ) غير ( واقعه ) المأساوي الذي يعيشه .. اذن : الآخر يحضر كعنصر من عناصر الفعل الخلاقة التي تزخر بها القصيدة الشعبية ( الحديثة ) عبر آفاق متعددة وعناصر تواصل تاتي خطاب جديد يفيض بلغة ثرية , وحميمية تلتقي فيها الاشياء , والذوات .. وتتفاعل فاتحة آفاق الاحتمال , والممكن من الاحلام , والامال الكامنة في الآتي من زمن ( الخلاص / الحلم (
|